الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

17

تفسير روح البيان

بنظر العقل في هذه الصنائع الحكمية وَسَخَّرَ لَكُمُ اى لمنامكم ومعاشكم ولعقد الثمار وانضاجها اللَّيْلَ وَالنَّهارَ يتعاقبان خلفة كما قال تعالى وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً قال بعضهم الليل ذكر كآدم والنهار أنثى كحواء والليل من الجنة والنهار من النار ومن ثمة كان الانس بالليل أكثر وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ تسخرا في سيرهما وانارتهما أصالة وخلافة واصلاحهما لما نيط بهما صلاحه كل ذلك لمصالحكم ومنافعكم : قال السعدي ابر وباد ومه وخورشيد وفلك در كارند * تا تو نانى بكف آرى وبغفلت نخورى همه از بهر تو سر كشته وفرمان بردار * شرط انصاف نباشد كه تو فرمان نبرى والتسخير بالفارسية [ رام گردانيدن ] وليس المراد بتسخير هذه لهم تمكنهم من تصريفها كيف شاؤوا كما في قوله تعالى سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا ونظائره بل هو تصريفه تعالى لها حسبما يترتب عليه منافعهم ومصالحهم لا ان ذلك تسخير لهم وتصرف من قبلهم حسب إرادتهم وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ مبتدأ وخبر اى سائر النجوم في حركاتها وأوضاعها من التثليث والتربيع ونحوهما مسخرات اى مذللات للّه خلقها ودبرها كيف شاء أو لما خلقن له بأمره اى بإرادته ومشيئته وحيث لم يكن عود منافع النجوم إليهم في الظهور بمثابة ما قبلها من الملوين والقمرين لم ينسب تسخيرها إليهم بأداة الاختصاص بل ذكر على وجه يفيد كونها تحت ملكوته تعالى من غير دلالة على شئ آخر ولذلك عدل عن الجملة الفعلية الدالة على الحدوث إلى الاسمية المفيدة للدوام والاستمرار . وقرئ بنصب النجوم على تقدير وجعل النجوم مسخرات بأمره أو على أنه معطوف على المنصوبات المتقدمة ومسخرات حال من الكل والعامل ما في سخر من معنى نفع اى نفعكم بها حال كونها مسخرات للّه أو لما خلقن له بايجاده وتقديره إِنَّ فِي ذلِكَ اى فيما ذكر من التسخير المتعلق بما ذكر مجملا ومفصلا لَآياتٍ باهرة متكاثرة لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يفتحون عقولهم للنظر والاستدلال ويعتبرون وحيث كانت هذه الآثار العلوية متعددة ودلالة ما فيها من عظيم القدرة والعلم والحكمة على الوحدانية اظهر جميع الآيات علقت بمجرد العقل من غير حاجة إلى التأمل والتفكر قال أهل العلم العقل جوهر مضيئ خلقه اللّه في الدماغ وجعل نوره في القلب يدرك الغائبات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة وهو للقلب بمنزلة الروح للجسد فكل قلب لا عقل له فهو ميت وهو بمنزلة قلب البهائم وسئل النبي صلى اللّه عليه وسلم من أحسن الناس عقلا قال ( المسارع إلى مرضاة اللّه تعالى والمجتنب عن محارم اللّه تعالى ) قالوا أخف حلما من العصفور قال حسان بن ثابت الأنصاري رضى اللّه عنه لا بأس بالقوم من طول ومن عظم * جسم البغال وأحلام العصافير وَما ذَرَأَ لَكُمْ عطف على قوله والنجوم رفعا ونصبا على أنه مفعول لجعل المقدر اى وما خلق فِي الْأَرْضِ من حيوان ونبات حال كونه مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ اى أصنافه فان اختلافها غالبا يكون باختلاف اللون سخر للّه تعالى أو لما خلق له من الخواص والأحوال والكيفيات أو جعل ذلك مختلف الأصناف لتتمتعوا من ذلك بأي صنف شئتم وفي بحر العلوم